تــــــــحــــقـــــق صـــــحـــــــــفي

الصفحة الأولى> آخر الاسبوع - دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر

آخــر تحديــــث 2006-07-27 

حوار: خالد شيا - تصوير: رضا آغا

وجوه من الامارات ... علي درويش: أثق في الاستثمار "التراثي" 

ينتظر التقاعد ليتفرغ تماماً لمتحفه الشخصي 

تبدو حياة الرائد علي عبدالرحمن درويش متناقضة للوهلة الأولى، لتوزعها بين عمل وظيفي صارم، وهواية آسرة لا يمكن تلمسها، وإدراك عمق إخلاصه لها إلا بزيارة منزله. ويزاوج ببراعة نادرة بين عملين ومسؤوليتين: مدير فرع التحصيل والإيرادات في إدارة الجنسية والإقامة في رأس الخيمة، ومدير متحف تراثي شخصي مدهش. في عمله الرسمي تشغله اللحظة والإنجاز اليومي الذي يراكم مصلحة عامة، أما “إدارته” الأخرى فمادتها الأمس وعينها على المستقبل

المنزل المتحف ضاق بالمقتنيات النادرة التي جمعها الرائد علي “بروحه” وصبره عبر سنوات عدة، يعرف تواريخ كنوزه، وأماكن فوزه بها، كما يتذكر بحنين وحسرة لقى كثيرة لم ينجح في اقتنائها. حديث التقاعد لا يبعث في نفسه الخوف، بل يشعل في عينيه من دون قصد فرحاً خفياً، وكأنه يتمنى اقترابه للتفرغ تماماً للعناية بآلاف “الحكايات” التي تظللها شجرة الغاف العتيقة، الموعودة دائماً بزوار لا ينقطعون، بحيث استحالت الحديقة المنزلية ما يشبه مكاناً عاماً أو بيتاً للتراث

من أين تريد ان نبدأ الحديث؟

من رأس الخيمة.. طبعاً، حيث ولدت ولعبت في دروب الفريج، وأنهيت دراستي الاعدادية، قبل توجهي الى السعودية للدراسة في معهد الجوازات العسكري، لمدة سنة واحدة، عدت بعدها الى رأس الخيمة لأعمل في إدارة الجنسية في العام ،1978 وما أزال على رأس عملي

هل كان العمل في الشرطة خيارك الشخصي أو أقنعك الأهل بذلك؟

أحببت هذا المجال منذ الصغر، وتمنيت الالتحاق بسلك الشرطة، وتحقق لي ما أردت، كذلك كان لأبي رحمه الله دور في هذا التوجه حيث شجعني على السير في هذا الطريق، وهذا ما فعلته بدوري مع ولدي عيسى ومحمد لكنهما، اختارا منحى آخر لا علاقة له بالجيش أو الشرطة

خد مة الناس

هل أصابك الملل يوماً، أو رغبة بالاستقالة خلال سنوات خدمتك الطويلة؟

كما قلت إن هذا العمل يستهوني كثيراً لإحساسي أني أقوم بواجب مقدس وهو خدمة الآخرين ومساعدتهم، وتقديم شيء مفيد للوطن الذي أنتمي اليه، وهذه المسؤولية أحاول ترجمتها يومياً عبر التعامل مع المراجعين باحترام، وتسهيل لإجراءاتهم قدر المستطاع، وحقيقة نجد من خلال عملنا الاحترام والتقدير، وهذا شرف كبير لكل من يعمل، فمحبة الناس كنز كبير، وأقولها بكل صدق إن عملي في الادارة يملأ كل حياتي، ولم أفكر أبداً بالقيام بأي عمل خاص، وكل ما يشغلني تأدية واجبي وفق القيم التي تربينا عليها وهي الصدق والإخلاص في العمل

ألا تشعر بالحزن باقتراب تخليك عن الزي العسكري الذي تحبه؟

بالتأكيد أعد نفسي لتلك المرحلة ولكن من دون مشاعر الحزن، حيث أديت واجبي وسيأتي آخرون لمواصلة الطريق، كما لا تخيفني مرحلة التقاعد أبداً، لأنها تعني لي نشاطاً آخر، وبداية جديدة

أيمكنك زيارة مكتبك بعد التقاعد ومشاهدة آخر يجلس مكانك، بمشاعر محايدة؟

يمكن أن يحدث ذلك ببساطة شديدة، ولن يصيبني أي حزن، بل سأقدم له كل مساعدة ممكنة، فكرسي العمل ليس ملكاً لأحد، والمعيار الوحيد هو خدمة الناس، وأنا على ثقة تامة بقدرات القيادات الشابة، وتفانيها من اجل الوطن والمصلحة العامة، اضافة الى أنني لن أنسحب من خدمة بلدي، عبر مواصلة اهتمامي القديم وعشقي للتراث

عاشق التراث

بيتك تحوّل اليوم الى ما يشبه المتحف التراثي، فكيف نشأت علاقتك بالتراث؟

البدايات ترجع الى مرحلة الطفولة، فأنا أعشق كل ما هو تراثي، لكن البداية الفعلية كانت منذ سنوات عندما قررت فعل شيء ملموس تجاه ميراث الآباء والأجداد، فكان لديّ بعض المقتنيات في المنزل، ورغبت بتطوير الفكرة التي راقت كثيراً لزوجتي فساعدتني على تحقيق هذا الحلم عبر العناية بالمقتنيات وشراء المناسب منها حسب ظروفنا المالية

هل يحملك هذا الاهتمام أعباء مالية كبيرة؟

رغم انني لا أشغل نفسي بالمال، لكنني في الحقيقة أنفق الكثير على هذه الهواية، وعندما أجد قطعة أثرية أشعر برغبة امتلاكها من دون حساب للتكاليف، وعلي الاعتراف بأنني عجزت في مرات كثيرة عن اقتناء بعضها بسبب ارتفاع سعرها، مما ترك حسرة في نفسي، ففي بعض الأسابيع أنفق عشرة آلاف درهم من دون أن أشعر بذلك، بل، وأنا سعيد جداً، خاصة عندما أضعها في متحفي ويشاهدها أصدقائي والزائرون، وفي أحيان كثيرة أتعرض للابتزاز عندما يعرف بعضهم رغبتي الشديدة في الشراء، وعموماً تبقى المبالغ التي أدفعها ضئيلة مقابل الكنوز التراثية التي أفخر باقتنائي لها، لأنها أصبحت جزءا من روحي

وهل تختص بجمع لقى معينة؟

التراث لا يتجزأ، لذلك تجد في منزلي آثاراً بحرية وبرية من مختلف أنحاء الإمارات، علماً بأن متحفي يضم آثاراً من دول أخرى كالهند لكنها قليلة لأني أحرص على التركيز على آثار المنطقة ومعرفة تاريخ كل لقية وكيفية استخدامها وعلاقتها بحياتنا الماضية والحاضر

من يقوم على خدمة هذا المتحف؟

العناية به تتطلب جهداً كبيراً وخاصاً ورغم ذلك أقوم بمعظم الأعمال بمفردي، من خلال طريقة العرض والتنظيف وحمايتها بشكل سليم، ولا أسمح لأي شخص بلمسها أو الاجتهاد بإعادة عرضها أو تنظيفها، من دون نسيان مساعدة زوجتي الدائمة واهتمام أبنائي ايضاً بهذا التراث خاصة ابني الأصغر عبدالله

كتاب مفتوح

برأيك ما الدور الذي يجب أن تلعبه المتاحف الشخصية في قضية حفظ التراث؟

حفظ التراث مسؤولية الجميع، وكل شخص لا بد له أن ينطلق من نفسه، فأنا أحرص على المشاركة في كل الفعاليات التراثية، وعرض أجزاء من متحفي وكل المناسبات، وهكذا شاركت في أكثر من حدث تراثي في العين ورأس الخيمة والشارقة عبر أيامها التراثية، ومتحفي مفتوح دائماً أمام الزائرين، وكثير من الدوائر الرسمية والمدارس تعرف هذا المتحف وتنظم رحلات اليه، وهذا يسعدني جداً، ويزيد فخري بما أنجزت

كيف ترى نظرة أبناء هذا الجيل الى تاريخ وتراث الأجداد؟

أعتقد بأن هذا الجيل وفي للتراث خاصة ان وجدت التوعية اللازمة، وأنا متفائل بشأن المستقبل لأن الاهتمام الرسمي كبير من هذه الناحية، وأتمنى على وزارة التربية والتعليم تخصيص مادة لدراسة التراث، وعندها سيكون هذا الكنز في أمان تام، لأنه ضمان لنا، ومن ليس له ماض ليس له حاضر أو مستقبل، وكلامي لا ينطبق فقط على اللقى أو الآثار بل يشمل كل قيم الأجداد وعاداتنا الاصيلة، وآدابنا في الحياة والسلوك

هل ستتفرغ لهذا العمل إن صح التعبير بعد التقاعد أم انك ستتجه الى مجالات أخرى؟

خلال عملي الوظيفي لم أتجه الى العمل الخاص، كذلك لن أفعل بعد التقاعد بل سأتفرغ تماماً لمتحفي ولقضية التراث، لأن مفهومي عن الادخار والاستثمار مختلف ربما عن الآخرين، حيث أجد نفسي أقوم بأفضل استثمار عبر العناية بمتحفي التراثي، أما العمل الخاص لأجل المال فلا يشغل تفكيري اطلاقاً، رغم توافر هذه الإمكانية، ولا أتخيل نفسي أبداً في عمل تجاري أو مستثمر في بورصة أو سواها لثقتي المطلقة بجدوى الاستثمار “التراثي” الذي أقوم به

كنوز لا تقدر بثمن

الإحاطة بما يضمه متحف الرائد علي درويش أمر صعب جداً، ولا تكفيه زيارة واحدة فالمقتنيات أوسع من أن تحصى، فهناك نسخة من القرآن الكريم تعود الى ثلاثة قرون، ومجموعات من البنادق مثل أم فتيلة، وصمعة، وكند.

كما يضم نحاسيات عمرها بضع مئات من السنين وأواني فخارية ضاربة في القدم، وفيها خابية لحفظ التمر، و”خرس” فخاري، و”برمة” لطهي الطعام. وفي جانب من حديقة المتحف نقرأ صفحات في التاريخ الطبيعي عبر الهياكل العظمية للحيتان، وأسماك القرش والحيوانات البرية، كما نرى أدوات تعود للسفن مثل “القرط” و”عبيدار” لستر الحبال، والمرساة أو “باورة”، و”تندر” لنقل الماء، ومجموعة كبيرة من “المناديس” من كل الأحجام ولكافة الاستخدامات. وعلى مقربة من المقهى الشعبي الذي صممه داخل الحديقة نشاهد معرضاً للسفن منها ما هو لصيد الأسماك وآخر مثل “جالبوت” للغوص، وأخرى للسباق.

كما نستكشف حجراً جبلياً رخامياً نادراً سماه “لماعي”، وهاون قديم لصناعة الأدوية، ودق السدر والحناء، ولم ينس درويش إعادة “الغرافة” الى الحياة، وتجسيد المطبخ الشعبي، ونصب المدافع البرتقالية تحت ظلال شجرة الغاف التي تجاوز عمرها المائتي عام

صفحة البداية

الصفحة التالية

العريش  شبكة على درويش التراثية 2003م